كان وعيه سابقاً للكثير من أقرانه وزملائه، وكان استشرافه
للمستقبل مبكراً، لكنه كان يدهش الجميع، إذ لم يكن يتردد –جزاه الله خيراً- حتى يومنا
هذا، بل يبادر بالتبرع شخصياً، بمئات الألوف من الريالات، لأي مشروع تطويري للجريدة،
أو مطابعها، أو البنية التحتية لها، دون أن يطالب الآخرين بذلك، ولست أذيع سرًّا بالقول
إن أبا ماجد، قد سارع بالمساعدة المادية لبعض الزملاء، الذين تضرّروا بصورة أو بأخرى،
من وراء عملهم المهني، ووقف إلى جانبهم، دون أن يعلم أحد، حتى مرّت أزمتهم بسلام.
كان يأتي أحياناً لمكاتبنا في إدارة التحرير، ليكتب كلمته، وكنتُ أراقب بإعجاب، دقّته
البالغة في انتقاء الكلمات، وجهده لإتقان الصياغة، وحرصه على سلامة اللغة، وعفة الخطاب،
وكنتُ أتمنى لو تعلّم شبابنا بعض ذلك، وهم لا يملكون ما يملك أبو ماجد، من دراسات عُليا
في اللغة العربية وفنون الصحافة والإعلام.
تلك تحية واجبة، ودين مستحق لأبي ماجد،ة من أخ وزميل وتلميذ يجلّه ويحبّه ويقدّره،
فقد صبر رعاه الله خلال مسيرتنا المشتركة، على الكثير من عدم وعينا، وربما غرورنا،
وتحمل في أكثر من مناسبة اندفاعنا وقلة خبرتنا وإدراكنا، ولم يتردد يوماً –رغم كل ذلك-
عن نصحنا ومواصلتنا، والوقوف بجوارنا، ولقد حرصت على أن تصدر هذه التحية، مع أول عدد
تطويري من ’’المدينة’’ ، يُطبع على المطابع الجديدة، لأني أعلم أن ذلك يوم سعيد في
حياة أبي ماجد، الذي بذل الكثير الكثير لهذه المؤسسة والعاملين فيها، وكان في طليعة
المساهمين لدفع تكاليف مطابعها، وتقنياتها الحديثة.
عمل لا تتوارى الفنانة خلفه
ولكنها أمامه وداخله
د.خالد الحمزة
إن عمل منى القصبي، الذي يمكن أن أطلق عليه ’’الفنانة في
عملها’’ ، من الأعمال الهامة والمتميزة . ولقد اكتسب هذه الأهمية من مضمونه الذي تناقش
الفنانة من خلاله طبيعة دور أو وظيفة الفنان أو مهنته أو حرفته ومدى ضرورتها في المجتمع،
وقدرة الفنانة في التعبير عنها بعمق. وتأتي أهميته أيضاً من القيم الفنية التشكيلية
التي حملتها الفنانة لعناصر العمل واتساقها في تدعيم التعبير الكلي للعمل.
لقد أنجزت الفنانة هذا العمل في آخر عام 2000م، واستخدمت فيه ألوانا زيتية على قماش.
إنه ذو مساحة متوسطة إذ يبلغ ارتفاعه 160سم وعرضه 115سم تقريباً، وبه توقيع الفنانة
وتاريخه في أسفل اليسار.
يسير عمل القصبي على تقاليد فنية ضاربة عدة مئات من السنين في القدم. وأول تلك التقاليد
هو استحضار الفنان أثناء عمله. وأول ما نعرفه في هذا المجال ما ظهر في أعمال النهضة
الأوروبية التصويرية، ومنا عندما رسم رفائيل نفسه، كما يعتقد، داخلا من اليمين إلى
البوتقة الفكرية الإنسانية أمام الفيلسوفين الكبيرين أفلاطون وأرسطو. يريد أن يقول
في عمله هذا، مدرسة أثينا 1511م، إن الفنان مفكر كما هو صاحب حرفة.
ولكن ظهر الفنان أكثر حضورا وهو فخور بتأدية عمله أمام لوحة كبيرة لا نرى ما فيها ولكننا
نرى صاحب الفعل الفني وهو فيلاسكويز في عمله المعروف بوصيفات الشرف 1656م. وتقع لوحة
منى القصبي في هذا السياق فهي تأكيد على دور الفنانة باستحضارها رمزيا تؤدي عملها وهي
في حد ذاتها تأكيد على دور الفنان عموما. يقع هذا الاستحضار بين أعمال كل من رفائيل
وفيلاسكويز وجويا وكوربيه في جهة، وبين عمل فان جوخ في الجهة الأخرى. يبدو العمل اقتصاريا
من حيث استبعاده للأحداث والعناصر الأخرى الموجودة في الأعمال الأولى من خلال تركيزه
على الفنان ووسائله وعمله. ويبدو كذلك أكثر تفصيلا من عمل فان جوخ بتقديم الصورة التي
تعمل عليها الفنانة والتي دمجها الفنان في استحضار شخصية فقط. أما التقليد الثاني الذي
سارت عليه القصبي في عملها فهو تصوير صورة داخل صورة.
إن لوحة منى القصبي الفنانة،أي فنانة، في عملها تعليق مهم على الاستحضار التقليدي للأنثى
في تاريخ الفن الذي استفحل فيه الفنانون الرجال. ولم يخرج الفن العربي الحديث عن هذا
الموقف الأزمة. إن أي تصفح للمراجع الذي يعرف بالمسح العام للفن العالمي، وأي متابعة
للإنتاج الفني العربي الحديث تظهر كما كبيرا من صور تستحضر المرأة يركز أغلبها على
كونها أنثى بالمعنى المتصل بالسمات الجسدية.
إنها جرأة تحسب للفنانة القصبي أن تخرج على المألوف وأن تقدم الفنانة كامرأة عاملة،
إنه عمل له فضل ريادته في هذا المضمون. ومما يظهر هذا الاهتمام والوعي بالموضوعات الفكرية
لدى الفنانة القصبي هو أن هذا العمل يقع بعد سلسلة من الأعمال التي أنجزتها الفنانة
في العقد الماضي. تبرز من بين تلك الأعمال الزنبقة الأخيرة التي أنتجت عام 1415هـ والتي
تحمل مجازا قد يشير إلى صدى الصوت المؤنث المتميز في صحارى شاسعة.
إن المرآة في هذين العملين كانت وسيطا مهما وضروريا كما هي أهمية المرآة في حياة المرأة.
ولنا أن نتساءل هنا هل ترى القصبي في العمل الفني مرآة؟ وذلك بمعنى أنه عاكس للروح
الإنسانية، ومرآة للنفس أكثر من الوجه، وتعبير عن الذات على درجة من الصدق قد تساوي
صدق المرآة لا أكثر ولا أقل الشخصية المستحضرة في عمل منى القصبي بورتريه أو صورة شخصية
نصفية متصلة من أسفلها بلوحة عليها ألوان. وبذا فقد حافظ العمل على نفس الجزء الأعلى
وتغير الجزء السفلي. ما مدى العلاقة بين الفنانة، أي فنانة، وعملها؟ وهل تزعم الفنانة
أن الحالة الإبداعية لديها حميمة قد تصل إلى درجة تفوق ما لدى الفنان الرجل؟ إنها ترى
العمل الفني الذي تتمخض عن تلك الحالة، وكما قدمه عملها هذا، أكثر ارتباطا ولزوما والتصاقا
وكأنه يحتوي الإنسان. إن الجزء السفلي من اللوحة يومئ إلى كونه ثوبا أو رداء، الفنانة
القصبي في عملها لا تخيط ثوبا أو تطرزه ولكنها تنسج فنا. وقد بدا، تأكيدا على الزهو،
وكأنها تلون ثوبها. قماش اللوحة الحقيقية، أو الرداء المتصل بالصورة الموهومة لم يكتمل
تلوينه بعد، أي إنها لوحة تحت العمل أو في طور الإنجاز. وقد يحمل هذا العمل اللامنتهي
دلالة الديمومة والاستمرار والنمو والتواصل والتفرع.